احمد احمد بدوي
50
من بلاغة القرآن
ينهمل من السماء ، وهذا الماء الطاغي يجتاح نواحي الأرض ، وهذا الاضطراب في أرجاء الكون ، لم يلبث أن سكن واستقر ، وعادت الطبيعة إلى هدوئها ، عندما تلقت أمر اللّه لها أن تسكن وتهدأ ، ولكن لما كان هذا الأمر قد صدر إلى الكون من غير أن يسمعه من في الكون ، أو يروا قائله ، بنى الفعل للمجهول كما ترى ، وأوثر في نداء الأرض يا دون الهمزة ، لما يدعو اجتماعها مع همزة أرض إلى ثقل على اللسان في النطق بهما ، وفضّلت كذلك على « أيا » لما في هذه من زيادة تنبيه ليست الأرض ، وهي رهن أمر اللّه ، في حاجة إليه ، وأوثر تنكير الأرض لما في ذلك من تصغير أمرها ، فالمقام هنا يستدعى ذلك التصغير ، ويستدعى الإسراع بتلبية الأمر ، وذلك لا يكون مع التعريف المقتضى لإطالة الكلام بأيتها ، وجاءت كلمة ابْلَعِي هنا مصورة لما يراد أن تصنعه الأرض بمائها ، وهو أن تبتلعه في سرعة ، فهي هنا أفضل من امتصى مثلا ؛ لأنها لا تدل على الإسراع في التشرب ، وفي إضافة الماء إليها ما يوحى بأنها جديرة بأن تمتص ماء هو ماؤها ، فكأنها لم تكلف شططا من الأمر ، وقل مثل ذلك في قوله : وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ، ولاحظ هذا التناسق الموسيقى بين ابلعي وأقلعى ، وبنى غِيضَ للمجهول ، مصورا بذلك إحساس من شاهدوا هذا المنظر الطبيعي ، فهم قد رأوا الماء يغيض والأمر يتم ، وكأنما قد حدث ذلك من تلقاء نفسه ، من غير أن يكون ثمة فاعل قد فعل ، واختيرت كلمة استوت دون رست مثلا لما في كلمة استوى من الدلالة على الثبات المستقر ، وبنى الفعل قِيلَ للمجهول إشارة إلى أن هذا القول قد صدر ممن لا يعد كثرة ، حتى لكأن أرجاء الكون تردد هذا الدعاء ، وجاءت كلمة بُعْداً دون ( هلاكا ) مثلا ، إشارة إلى أن هلاك هؤلاء القوم الظالمين إنما قصد به إبعادهم عن الفساد في الأرض ، والسخرية بمن آمن وعمل صالحا ، وأوثر المجيء بالموصوف هنا ؛ لأنه لا يراد الدعاء على الظالمين لاتصافهم بالظلم ، وإنما يراد الدعاء على هؤلاء القوم بالبعد ؛ لاتصافهم بالظلم ، فالمقام هنا ، مقام حديث عن قوم ظلموا أنفسهم ، فاستحقوا لذلك أن يتخلص منهم ، وأحس في كلمة بعدا ، دلالة على الراحة النفسية التي شعر بها من في الكون ، بعد أن تخلصوا من هؤلاء القوم الظالمين ، ولعل لاستخدام المصدر الذي يؤكد أن الفعل قد تم ، أثرا في ذلك . أو لا ترى الآية قد صورت لك ما حدث بعد الطوفان أدق تصوير ، في عبارة موجزة ، فها هي ذي الأرض تبتلع ماءها ، وها هي ذي السحب في السماء تنقشع مقلعة ، وها هو ذا الماء قد غاض ، وعادت